ضمور وانهيار الطبقة الوسطى وتأثيره في المجتمع والدولة

بقلم رئيس تحرير :
جاسـم السلطاني

مرّت الطبقة الوسطى في العراق بمراحل صعود وهبوط ارتبط بشكل وثيق بتحولات النظام السياسي، والأزمات، والظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وباتت دراسة إشكالية “الطبقة الوسطى” عن طريق فهم تلك التحولات وتحليلها أمراً مهماً وضرورياُ له علاقة بمستقبل البلاد، ومرهون إلى حد كبير بقدرة الدولة والمجتمع على إعادة بناء طبقة وسطى قوية، مستقلة، فاعلة.
إن أهم خصائص المجتمع المدني الحديث تكمن في وجود طبقة وسطى مؤثّرة، حيث يجمع علماء الاجتماع على أنها المحرك الرئيس لتطور المجتمعات، ومحور الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، حين يكون الوعي الطبقي وكذلك الديمقراطي المتجذر في فكر الطبقة الوسطى مؤهلاً في قيادة المجتمع نحو الحداثة، والتقدم الاقتصادي والاجتماعي ورفع معدلات الدخل وكذلك مستوى المعيشة، ويعمل على ترسيخ دعائم الاستقرار والأمن الاجتماعي، وترسيخ مفهوم المواطنة ووحدة الهوية، وتخفيض حدة التناقضات والصراعات الطبقية، فضلاً عن تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
إن الدور المحوري الذي تقوم به الطبقة الوسطى بوصفها الممثل النموذجي لتطبيق أفكار الحرية والديمقراطية والتوزيع التكافلي للثروة الوطنية، يظهر في دفع المجتمع نحو ترسيخ دولة القانون والمجتمع المدني والتداول السلمي للسلطة، وهو ما يساعد على تهيئة نظام سياسي برلماني ديمقراطي تعددي يقوم على العدالة والمساواة واحترام حقوق الانسان. تظهر خصوصية الطبقة الوسطى في العراق كونها طبقة واسعة من فئات وشرائح اجتماعية متداخلة بعضها مع الآخر، وذلك لغياب الدور الفاعل للطبقتين العاملة والبرجوازية الكبيرة، بفعل تبعية الاقتصاد العراقي للهيمنة الكولونيالية أولاً، ثم دور الدولة الريعية وهيمنتها على واردات النفط ثانياُ، اللتين أعاقتا نمو طبقة وسطى صناعيّة، وطبقة عمّاليّة عراقية، وهو ما حصر عملها بالقطاعات الخدمية والتجارية وليس بالقطاع الصناعي. وتشكل الطبقة الوسطى في العراق العمود الفقري للمجتمع والدولة معاً، لما لها من أهمية ودور كبير وفعال في تشكيل القاعدة الاجتماعية والحركات الفكرية والسياسية، وأسهمت منذ بداية نشأتها في جميع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما لعبت دوراً مهماً في تشكيل الوعي الوطني عن طريق تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات الثقافية والاجتماعية. وارتبط نشوؤها بتشكل المجتمع العراقي المعاصر بجناحه (المديني ـ نسبة إلى المدينة)، لأن العهد العثماني لم يشجع على تطور المدن، بل شهدت المدينة انحطاطاً في كنفه.
بتأسيس الدولة العراقية 1921 وجد الملك فيصل الأول نفسه أمام مؤسستين فاعلتين تحكمان هما : المؤسسة العشائرية، والأخرى الدينية، بينما كان الملك يتطلع إلى تأسيس دولة مدنية حديثة، وهو ما افصح عنه دستور 1925 المتأثر بدساتير الغرب الليبرالية. كان الملك قد تبنى تنشيط دور الطبقة الوسطى وتحفيزها، ظهر ذلك في ترجيحه أبناء المدن على أبناء العشائر في بناء أجهزة الدولة. إن المراجع والدراسات في هذا الميدان، لها حضور في الذاكرة، كما أنها خزين ثمين يمكن أن يعود بالباحث إلى الينابيع الأثيرة فيه، لعل دراسة الدكتور إبراهيم الحيدري* ” الطبقة الوسطى في العراق.. نشوؤهاـ نموهاـ ضمورها ” الصادرة عن دار نشر ومكتبة عدنان 2022، تعد إحدى الدراسات المهمة في هذا الحقل المعرفي، التي هي الأخرى بحاجة إلى من يناقش ما ورد فيها من آراء، لاسيما وان البحث فيها يتسع لمزيد من الاختبار والحوار والجدل. كتاب الحيدري يقدم لقرائه الأسس النظرية والعملية، التي نحن بصدد عرضها ومناقشتها. يتناول الحيدري مفهوم الطبقة الاجتماعية، ويستعرض نشوء الطبقات الوسطى تاريخياً، منذ عصر النهضة مروراً بحركة الإصلاح الديني والتحديث الاقتصادي في أوربا، ثم يعرّف البرجوازية والصراع الطبقي، وفي الفصل الثاني من الدراسة يتناول الطبقات الاجتماعية في بداية تشكيل الدولة العراقية، وتطور ونمو الطبقة الوسطى في العراق بعد الحرب العالمية الثانية، وهو يؤشر لفترة ما بعد سبعينات القرن الماضي كبداية لازدهار الطبقة الوسطى وتعاظم دورها مع نشوء السوق الوطنية، وتزايد فرص التعليم والعمل، وارتفاع مستوى المعيشة وتحسن الخدمات. بيد أن معدلات النمو بدأت بالتراجع منذ عام 1980 وتوقف مشاريع الإنتاج والتوزيع بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية، وتنامي الدولة الريعية وتحولها إلى أكبر ربّ عمل أدى إلى اتساع حجمها وهيمنة اجهزتها الإدارية والعسكرية والبيروقراطية وجعلها دولة شمولية قامت على أساس دعامتين أساسيتين هما: نظام الحزب الواحد ونظام العشيرة والقرابة، ومن خصائصها احتكار كامل للحياة السياسية والهيمنة الشاملة على انتاج الثروة وتوزيعها والسيطرة التامة على الثقافة ووسائل الاعلام واحتكار المنظمات الاجتماعية والنقابات والاتحادات والجمعيات، وابتلاعها تدريجياً. يحدد علماء الاقتصاد مقياس نمو الطبقة الوسطى أو ضمورها بمعدل ارتفاع أو انخفاض دخل الفرد ونصيبه من الدخل القومي، وحصته من الناتج القومي الإجمالي، كذلك مستوى الانفاق العام على التعليم والصحة والغذاء والخدمات العامة. إن الضربات المتتالية التي وجهها النظام الشمولي والدولة الريعية للطبقة الوسطى، إنما تشير إلى ضعف الطبقة الوسطى العراقية وهشاشتها، على الرغم من كبر حجمها، أمام قوة الدولة الريعية، ومنذ ثمانينات القرن الماضي شهدنا انتقال الثقل السياسي إلى المؤسسة العسكرية والحزبية والدولة الريعية التي تقف وراءها. ثم تراجع دور الطبقة الوسطى في العراق بشكل سريع أثناء تسعينات القرن الماضي إثر التضخم النقدي الكبير وتقويض القوة الشرائية وانهيار قيمة الدينار العراقي. إن التجربة المريرة التي مر بها العراق بعد ضمور الطبقة الوسطى والردة الحضارية التي أعقبتها أدى إلى انهيار مراتب واسعة وانحدار فئات معتمدة على الرواتب انحدارا شديداً. ومن الممكن تقدير الكارثة الاقتصادية التي حلّت بالعراق بسبب الاستبداد والحروب والحصار بمعيار الناتج المحلي والاجمالي، وهو المؤشر الرئيس لقياس النمو الاقتصادي، فألقت الأزمة الاقتصادية الخانقة بظلالها بقسوة على حياة الناس عامة، كما أن ضمور الطبقة الوسطى بفعل الضربات المتتالية التي وجهها النظام الشمولي ودولته الريعية لها، إنما يشير في الوقت نفسه إلى ضعف الطبقة الوسطى العراقية، حيث أن مصدر هذه الطبقة وتوسعها هو الدولة أصلاً. تجدر الإشارة إلى أن دراسة المشروع السياسي العراقي لن تتحقق مراميها من دون تناول الطبقة الوسطى، والدور الذي نهضت به حيناً في دفع حركة المجتمع العراقي إلى أمام، ثم نكست به إلى وراء في أحيان أخرى. ونحن أمام مشهد تصاعد فيه العنف والصراع السياسي إثر عدد من الانقلابات العسكرية منذ نهاية خمسينات القرن الماضي، كان من تداعياته عدم تمكن الطبقة الوسطى للإئتلاف فيما بينها، والتأسيس لمنظومة حكم مستقر، وأثبتت الأحداث أنها غير مؤهلة للقيام بهذا الدور، لان ديدنها التنافر والتناحر والاحتراب، وهو أمر غير مألوف لدى الطبقات الاجتماعية الأصيلة الواعية لمصالحها وبرامجها. ولا يمكن لمنظومة حكم أن تستمر إذا كانت تعاني من انشقاقات بنيوية في داخلها، وهو ما وسم العملية السياسية في العراق في العهد الجمهوري ما بعد 1958، حين لم تعد المصالح الطبقية الواعية تأخذ بالحراك السياسي، بل تقافزت فصائل الطبقة الوسطى العصبوية إلى كرسي الحكم، بغض النظر، من يركب على كتف من، ومن الراكب ومن المركوب! يصح القول: أن الطبقة الوسطى العراقية نشأت في بيئة مدنية خلال العهد الملكي، لا تأسرها أصفاد الثقافة العشائرية والطائفية والمناطقية، يتجلى ذلك في التعددية التي اتسمت بها قيادات الأحزاب السياسية، العلنية والسريّة وقتذاك، لهذا لم يورث العهد الملكي انقسامات مجتمعية حادّة، كتلك التي أفرزتها صفحات الصراع في العهد الجمهوري. ما حدث بعد 9 نيسان 2003، وما نشأ عنه من فراغ سياسي، دفع بالعوامل الظرفية أن تحكم المساحة التي يشغلها هذا المكون السياسي أو ذاك. حيث يصبح القفز إلى كرسي الحكم هدفاً مستقلاً بذاته، وتنحسر إلى ما وراء برامج التغيير الاجتماعي والاقتصادي، وتتحول السلطة إلى مسرح للتجريب والاختبار، على وفق رؤية مشوشة ومضطربة، لا تستقر على حال، تحكمها العوامل والمؤثرات الظرفية، وردود الأفعال، من دون بوصلة توجّه سياسات وبرامج النخب الحاكمة.
والحقيقة هي: أن الازمة التي تمرّ بها الطبقة الوسطى في العراق جزء من أزمة المجتمع والدولة والسلطة التي لا يمكن حلّها إلا بحل الأزمة المجتمعية، أي ترتبط بالردّة الحضارية التي أرجعت العراق إلى ما قبل تأسيس الدولة العراقية، بل يمكن القول : ان ضمور الطبقة الوسطى يمكن أن يكون دليلاً على عمق الانهيار الذي أصاب المجتمع والدولة في العراق في العقود الأربعة الأخيرة.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مشاركة الخبر