افتتاحية صحيفة الأجيال ليوم الثلاثاء الموافق 9/حزيران /2026 البلطجوقراطية الإعلامية حين تدار الحقيقة على إيقاع الضجيج

البلطجوقراطية الإعلامية: حين تُدار الحقيقة على إيقاع الضجيج.

في هذا العصر الذي لم تعد فيه الحقيقة تُقاس بصلابتها، بل بقدرتها على الصراخ، تتشكل سلطة غريبة لا تحتاج إلى برلمان ولا إلى دساتير، بل يكفيها ميكروفونٌ مفتوح، ومنصةٌ متوترة، وذاكرة جماعية مرهقة من كثرة ما يُلقى عليها من روايات متناقضة. إنها “البلطجوقراطية الإعلامية”، حيث لا يعلو صوت القانون، بل يعلو صوت من يُجيد إدارة الفوضى، وتحويلها إلى مشهد يومي مألوف، حتى يغدو الاستثناء قاعدة، والاشتباه يقينًا مؤقتًا.في هذا النمط من الحكم، لا تُصنع السلطة في المؤسسات، بل تُصنع في الفضاء الرمادي بين الخبر والتسريب، بين الاتهام والنفي، بين ما يُقال وما يُلمح إليه دون أن يُقال. هنا تتحول السياسة إلى ساحة استعراض مفتوحة، لا ينتصر فيها الأكثر دقة، بل الأكثر قدرة على إشعال موجة جديدة من الغبار. فكل تصريح هو طلقة، وكل تسريب هو قذيفة معنوية، وكل نفي لا يُطفئ النار بل يوزعها على مساحات أوسع من الإدراك.تتراجع الدولة في هذا المشهد خطوةً إلى الخلف، لا لأنها غائبة، بل لأنها محاصَرة بكثرة من يتحدث باسمها، حتى تكاد تفقد ملامحها بين الأصوات المتداخلة. فالحقيقة لم تعد تُبحث في الوثائق، بل في ردود الأفعال؛ ولم تعد تُقاس بما هو ثابت، بل بما هو قابل للاشتعال. وهكذا يُعاد تشكيل الوعي العام ليصبح أشبه بمرآة مهشمة، كل قطعة فيها تعكس جزءًا من الصورة، دون أن تمنح الصورة كاملة أبدًا.في “البلطجوقراطية الإعلامية” لا يعود الفاعل السياسي مجرد صاحب قرار، بل يتحول إلى راوٍ ضمن روايات أكبر منه، يضطر إلى مطاردة الأحداث بدل صناعتها، وإلى تبرير نفسه في كل لحظة بدل تقديم مشروعه. أما الجمهور، فيُدفع تدريجيًا إلى موقع المتفرج القَلِق، الذي لا يملك رفاهية التصديق الكامل ولا حتى الكفر الكامل، بل يعيش في منطقة رمادية من الشك المستمر، كأن الحقيقة نفسها فقدت قدرتها على الاستقرار.
وما بين التسريبات والبيانات، تتشكل طبقة سميكة من الضباب، تُخفي أكثر مما تُظهر، وتُربك أكثر مما تُفسر. فكل معلومة تُولد وفي داخلها نقيضها، وكل اتهام يحمل في طياته احتمال البراءة، وكل براءة لا تعيش طويلًا قبل أن تُستبدل باتهام جديد. وهكذا يتحول المشهد إلى دورة مغلقة من إنتاج الشك، لا تسمح لأي يقين أن ينجو طويلًا.الأخطر في هذه المنظومة أنها لا تكتفي بإعادة تشكيل السياسة، بل تعيد تشكيل الوعي نفسه. فالمجتمع الذي يعتاد على الضجيج يفقد تدريجيًا قدرته على الإصغاء، والمجتمع الذي يُغمر بالتسريبات يفقد حسّ التمييز بين المهم والعابر، والمجتمع الذي يُربّى على الصدمة يفقد تدريجيًا إحساسه بالدهشة. وحين تفقد الشعوب دهشتها، تصبح أكثر قابلية لتصديق كل شيء، وأقل قدرة على مساءلة أي شيء.وفي لحظة ما، لا يعود السؤال: من يقول الحقيقة؟ بل يصبح السؤال: من يصرخ أكثر؟ ومن يملك القدرة على فرض صوته داخل هذا الفضاء المكتظ بالأصوات المتعارضة؟ وهنا بالضبط تتجلى“البلطجوقراطية” كمنطق خفي للحكم، حيث القوة ليست في الدليل، بل في الضجيج، وحيث النفوذ لا يُقاس بالقرار، بل بسرعة الانتشار.ومع مرور الوقت، تتآكل المسافة بين الحقيقة وتمثيلها، حتى يغدو الفرق بينهما مجرد تفصيل لغوي لا أثر له في الواقع. فكل شيء قابل لإعادة السرد، وكل سرد قابل لإعادة التوجيه، وكل توجيه قابل لأن يتحول إلى “حقيقة مؤقتة” تنتهي صلاحيتها مع أول تسريب جديد.وهكذا تستمر اللعبة، لا منتصر فيها ولا مهزوم، بل خاسر واحد فقط: الحقيقة نفسها، وهي تتآكل ببطء تحت أقدام الضجيج، حتى تصبح مجرد أثر بعيد في ذاكرة مجتمعٍ أنهكته كثرة الروايات، فلم يعد يعرف أيها كان البداية، وأيها كان النهاية.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مشاركة الخبر