أزمة الأداء التشريعي في العراق: هل البرلمان جزء من المشكلة؟
تُشكل تجربة الديمقراطية والعمل النيابي في العراق بعد عام 2005 محوراً للجدل، حيث يسود انطباع واسع لدى الشارع بأن مجلس النواب يمر بحالة من العجز والتعطيل التنموي. فبدلاً من أن يكون المظلة التشريعية والرقابية المستقلة التي تشرع قوانين تخدم التنمية، بات في نظر الكثيرين منصة لتوزيع النفوذ وتمرير مصالح الكتل على حساب الخدمة العامة.
أولاً: أسباب الإخفاق وتأثيره الاقتصادي والسياسي
- منهج المحاصصة “التوافقية”: تحول التوافق السياسي بين القوى الحاكمة إلى بديـل لغالبية الآليات الدستورية. هذا الأمر أدّى إلى تعطيل تشريع قوانين استراتيجية كـ قانون النفط والغاز، وتأخير الموازنات الاتحادية، أو تمرير تشريعات تخدم مكاسب حصرية أو تضخم الإنفاق التشغيلي غير المنتِج.
- تغليب المصالح الفئوية: كشفت العديد من الدورات النيابية عن صراعات حول اللجان النيابية والمناصب، مما أدى إلى تغيب الأعضاء وعرقلة النصاب وإهمال قوانين حيوية لمكافحة الفساد وتنشيط القطاع الخاص وزيادة فرص العمل.
- تعميق الأزمة الاقتصادية: ساهم التركيز على الحلول الترقيعية—مثل تشريع قوانين الاقتراض لتمويل الرواتب دون وضع خطة لإصلاح الاقتصاد—في تكبيل الدولة بديون وإبقائها راهنة لتذبذب أسعار النفط، مع إهمال تطوير الزراعة والصناعة.
ثانياً: الحلول المعالِجة للأزمة الحالية
- إصلاح المنظومة الانتخابية وقانون الأحزاب: اعتماد قوانين انتخابية تُفرز تمثيلاً حقيقياً ومباشراً للجمهور، وتطبيق قانون الأحزاب بحزم لمنع استغلال موارد الدولة في الحملات الانتخابية.
- استقلالية المؤسسة الرقابية: تفعيل الدور الرقابي للبرلمان على تعاقدات الدولة ومشاريعها بعيداً عن المساومات السياسية، وتطوير أداء جهاز الإدعاء العام وهيئة النزاهة.
- إبعاد الموازنة عن المكايد السياسية: إقرار تشريعات مُلزمة بخطط مالية متوسطة وطويلة الأجل تدعم الاستثمار والقطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة.
- تغليب التخصص الكفؤ: تشكيل اللجان النيابية وفق المعايير المهنية والتخصصية بدلاً المحاصصة الحزبية.
ثالثاً: هل يمكن تغيير النظام من برلماني إلى رئاسي؟
تتردد الدعوات للتحول إلى نظام رئاسي لتجميع مراكز القرار وتجاوز بطء التوافقات، إلا أن هذه الخطوة تواجه تعقيدات دستورية وسياسية بارزة:
1. العقبة الدستورية (المادة 142 و126)
ينص الدستور العراقي لعام 2005 على خطوات صعبة لتعديله. فإلى جانب موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، يجب إقرار التعديل عبر استفتاء شعبي شريطة ألا يرفضه أغلبية الناخبين في ثلاث محافظات أو أكثر.
2. التوازنات السياسية والمكوناتية
تخشى عدة أطراف ومكونات (لا سيما القيادات الكردية وبدافع الحفاظ على الفيدرالية والإقليم) من التحول للنظام الرئاسي، خوفاً من إعادة إنتاج حكم الفرد والمركزية الشديدة التي شهدها العراق سابقاً.
3. طبيعة الإشكالية الأساسية
يرى العديد من الخبراء القانونيين والسياسيين أن الأزمة لا تكمن في طبيعة النظام البرلماني بحد ذاته، بل في سلوكيات القوى السياسية وآليات تطبيق التوافق والمحاصصة؛ فالنظام الرئاسي في بيئة يسودها الفساد وتضعف فيها المؤسسات قد يتحول سريعاً إلى دكتاتورية جديدة.
الخلاصة
تغيير شكل النظام السياسي ليس حلاً سحرياً بحد ذاته؛ إذ يتطلب الإصلاح الحقيقي تفعيل مبدأ سيادة القانون، وتطبيق الدستور، وإنهاء التوافق المكبِّل للتنمية، إلى جانب بناء مؤسسات دولة قوية تستند إلى الكفاءة وتخضع للمساءلة الشفافة.