افتتاحية صحيفة الاجيال ليوم الأحد الموافق 11 /تشرين الأول /2026

افتتاحية صحيفة الاجيال ليوم الأحد الموافق 11 /تشرين الأول /2026

ليست المشكلة في العراق مجرد ارتفاع سعر الدولار، ولا في تراجع القوة الشرائية للدينار وحده، بل إن السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يُطرح اليوم هو: بأي عقلية تُدار الدولة العراقية؟ وهل تقوم إدارة شؤونها على تفكير جمعي يستوعب مصالح المجتمع، أم على عقلية نخبوية ضيقة، أم على قرارات سياسية واقتصادية لا تزال تعالج الأزمات بعد وقوعها بدلاً من منع أسبابها؟

إن هذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً أو جدلاً سياسياً عابراً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها الظروف الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها المواطن العراقي، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأسر من الغلاء، وتتقلص فيه قدرتها على تلبية متطلبات الحياة الأساسية.

العقلية التي تدير الدولة.. من المسؤول عن القرار؟

إن إدارة الدولة الحديثة لا تقوم على عقلية واحدة، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التفكير الاستراتيجي، والرؤية الاقتصادية، والتخطيط العلمي، والاستماع إلى المجتمع، والقدرة على اتخاذ قرارات تستند إلى بيانات دقيقة وتقديرات واقعية للمخاطر.

فالعقلية الجمعية تعني إشراك المؤسسات والخبراء وممثلي المجتمع في صناعة القرار، والاستماع إلى أصوات الفئات المتضررة، وعدم حصر الخيارات بيد دائرة محدودة من المسؤولين. وهي لا تعني أن يكون القرار خاضعاً للمزاج الشعبي أو أن تتحول الدولة إلى ساحة للمساومات، بل أن تكون المصلحة العامة حاضرة في كل قرار، وأن تخضع السياسات للنقاش والتقييم والمساءلة.

أما العقلية النخبوية، فإنها ليست بالضرورة سلبية؛ فالدول تحتاج إلى خبرات متخصصة وقيادات تمتلك المعرفة والقدرة على إدارة الملفات المعقدة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول النخبة السياسية أو الاقتصادية إلى دائرة مغلقة، تنفرد بالقرار، وتبتعد عن واقع المواطنين، وتتعامل مع الأرقام المالية بمعزل عن آثارها الاجتماعية.

وهناك عقلية ثالثة أكثر خطورة، هي عقلية إدارة الأزمات بالحلول المؤقتة، حيث تتحرك الدولة عندما تتفاقم المشكلة، ثم تبحث عن إجراءات سريعة لاحتوائها، من دون معالجة جذورها البنيوية.

والعراق، في تقديرنا، يحتاج إلى تجاوز هذا النمط من الإدارة، والانتقال إلى عقلية الدولة المؤسسية التي تجمع بين الخبرة والمشاركة والمحاسبة والتخطيط بعيد المدى. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة ليس قدرتها على تمرير القرار فحسب، بل قدرتها على إثبات أن هذا القرار يخدم المجتمع، وأن كلفته موزعة بعدالة، وأن نتائجه قابلة للقياس والمراجعة.

الدولار.. قرار مالي أم اختبار للعدالة الاجتماعية؟

يأتي ملف سعر الصرف في مقدمة القضايا التي تكشف العلاقة المباشرة بين القرار الاقتصادي والحياة اليومية للمواطنين.

فقد شهد العراق في 7 تشرين الأول 2026 قراراً بتعديل سعر الصرف الرسمي، ليصبح السعر المعتمد للمبيعات المصرفية للمستفيدين النهائيين 1510 دنانير للدولار، وفق ما أعلنه البنك المركزي العراقي، بعد أن كان السعر الرسمي السابق نحو 1300 دينار. وجاء التعديل وسط ضغوط مالية مرتبطة بتراجع صادرات النفط وصعوبات التصدير في المنطقة. المصدر: رويترز والبنك المركزي العراقي.

قد ترى الحكومة في هذا الإجراء وسيلة لزيادة الإيرادات المقومة بالدينار مقابل كل دولار تحصل عليه من النفط، ومواجهة الضغوط التي تتعرض لها الموازنة العامة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تكفي زيادة الإيرادات الاسمية لتبرير القرار إذا كانت كلفته تقع على كاهل المواطن الذي يتقاضى راتبه بالدينار ويشتري احتياجاته بأسعار تتأثر بالدولار؟

إن انخفاض قيمة العملة المحلية لا يبقى محصوراً في الجداول المالية، بل يمكن أن ينتقل إلى أسعار الغذاء والدواء والملابس والمواد الإنشائية والأجهزة المنزلية، ولا سيما عندما تعتمد السوق المحلية على الاستيراد. وقد تختلف سرعة انتقال هذه الزيادة إلى الأسعار بحسب طبيعة السلعة والمنافسة وكلفة النقل والمخزون وهوامش الربح.

وهنا تظهر المفارقة: قد تحقق الدولة إيرادات إضافية بالدينار، لكن الأسرة العراقية قد تجد نفسها أمام مصروفات أعلى من دون أي زيادة مماثلة في دخلها.

فهل ينبغي أن يُقاس نجاح السياسة النقدية بما تحصل عليه الخزينة وحدها، أم بما تحققه من استقرار اقتصادي وقدرة شرائية تحفظ كرامة المواطن أيضاً؟

الفقراء والطبقة الوسطى.. الحلقة الأضعف في معادلة الصرف

إن الفئات الفقيرة هي الأكثر عرضة لتداعيات الغلاء، لأنها تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء والسكن والنقل والعلاج، ولا تمتلك غالباً مدخرات أو أصولاً تحميها من تقلبات الأسعار.

أما الطبقة الوسطى، التي تشكل إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي، فإنها تواجه ضغطاً متزايداً عندما تتآكل قيمة الرواتب والمدخرات، وترتفع تكاليف التعليم والصحة والإيجارات ومتطلبات الأسرة. وقد تجد الموظفة والموظف وصاحب الدخل الثابت نفسيهما مضطرين إلى الاستغناء عن بعض الاحتياجات الضرورية أو الاستدانة لتغطية النفقات الشهرية.

والخطورة لا تتوقف عند حدود انخفاض الاستهلاك؛ فاستمرار الضغوط قد يؤدي إلى تراجع الادخار، وضعف قدرة الأسر على الاستثمار في تعليم أبنائها، وانكماش الطلب على منتجات المشاريع الصغيرة، واتساع الفجوة بين أصحاب الدخول الثابتة وأصحاب الأنشطة القادرة على نقل الزيادات السعرية إلى المستهلك.

وقد أظهرت دراسة للبنك الدولي بشأن العراق في أعقاب تعديل سعر الصرف عام 2020 أن التضخم الناتج عن خفض قيمة الدينار كان متوقعاً أن يزيد الفقر، وأن تكون آثار الأزمة أشد على الفئات الأقل دخلاً. وهذه التجربة تؤكد ضرورة أن ترافق أي خطوة نقدية إجراءات اجتماعية واقتصادية تحمي الشرائح الهشة. المصدر: البنك الدولي.

ومن هنا، فإن حماية الفقراء والطبقة الوسطى لا ينبغي أن تكون بنداً ثانوياً يُبحث بعد اتخاذ القرار، بل جزءاً أصيلاً من دراسة القرار نفسه.

هل العقلية الاقتصادية في العراق أوسع من الحسابات المالية؟

إن المشكلة الاقتصادية العراقية أعمق من سعر الدولار، لأنها ترتبط بطبيعة الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة، وباتساع الإنفاق الجاري، وبمحدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية في توليد فرص العمل والإيرادات المستدامة.

فالدولة التي تعتمد على مورد رئيسي واحد تظل معرضة للصدمات الخارجية، سواء انخفضت أسعار النفط أو تعطلت صادراته أو ارتفعت كلفة نقله. وكلما ازداد الاعتماد على الإيرادات النفطية، ازدادت الحاجة إلى إدارة مالية حصيفة، وصناديق احتياطية، وموازنات تراعي تقلبات السوق، وخطط تنموية لا تتوقف عند حدود السنة المالية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى عقلية اقتصادية وطنية لا تفصل السياسة عن الاقتصاد، ولا تفصل الاقتصاد عن العدالة الاجتماعية. فليس المطلوب أن يكون القرار النقدي صحيحاً من الناحية الحسابية فقط، بل أن يكون جزءاً من رؤية شاملة تعالج الإنتاج والاستيراد والتشغيل والضرائب والإنفاق العام وحماية المستهلك.

كما أن بناء اقتصاد منتج لا يتحقق بالشعارات، وإنما بتشجيع الصناعة الوطنية والزراعة، وتطوير البنية التحتية، وتسهيل تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتحسين بيئة الاستثمار، ومكافحة الفساد والتهرب الجمركي، وإصلاح المؤسسات العامة التي تستنزف المال من دون أن تقدم قيمة اقتصادية تتناسب مع كلفتها.

هل توجد حلول أخرى لمعالجة الأزمة؟

نعم، توجد بدائل ومسارات مكملة يمكن أن تخفف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وإن لم يكن أي منها حلاً سحرياً أو فورياً. ومن أبرزها:

أولاً: حماية الفئات محدودة الدخل. من خلال توسيع التحويلات النقدية الموجهة إلى الأسر الأشد حاجة، ومراجعة كفاية شبكات الحماية الاجتماعية، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، مع وضع آليات واضحة لتعديل المساعدات عندما ترتفع أسعار السلع الأساسية.

ثانياً: ضبط الإنفاق الحكومي غير الضروري. عبر مراجعة المصروفات التشغيلية والهدر والتعاقدات غير المجدية، وإعادة ترتيب الأولويات، بدلاً من تحميل المواطنين وحدهم كلفة الاختلالات المالية.

ثالثاً: إصلاح الإيرادات غير النفطية. من خلال مكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتحديث المنافذ الحدودية، وتعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة الإيرادات بصورة عادلة، من دون فرض أعباء عشوائية على أصحاب الدخول المحدودة.

رابعاً: حماية السوق من الاستغلال. عبر تعزيز المنافسة، ومراقبة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وتسهيل استيراد السلع الأساسية وفق ضوابط واضحة، ونشر بيانات دورية عن الأسعار وتكاليف الاستيراد وهوامش التوزيع.

خامساً: دعم الإنتاج المحلي. بتوفير الكهرباء المستقرة للمصانع والمزارع، وتسهيل القروض الإنتاجية، وحماية المنتج المحلي من المنافسة غير المشروعة، وربط الدعم بتحقيق نتائج ملموسة في الإنتاج والتشغيل والجودة.

سادساً: اعتماد سياسة نقدية ومالية متناسقة. فلا يمكن للبنك المركزي أن يتحمل وحده مسؤولية الاستقرار إذا كانت الموازنة توسعية على نحو غير مستدام، أو إذا ظل الاقتصاد شديد الاعتماد على الاستيراد. ويجب أن تقوم القرارات على تقدير آثارها التضخمية والمالية والاجتماعية قبل تنفيذها.

سابعاً: مصارحة المواطنين بالأسباب والنتائج. من حق المواطن أن يعرف لماذا اتُّخذ القرار، وما البدائل التي دُرست، وما حجم الوفر أو الإيراد المتوقع، ومن سيتحمل الكلفة، وما التدابير التي ستتخذها الحكومة لحمايته. فالشفافية ليست ترفاً إعلامياً، بل شرط لبناء الثقة العامة.

أي طريق نريد للعراق؟

إن معالجة الأزمة لا تعني بالضرورة رفض كل تعديل في سعر الصرف مهما كانت الظروف، كما لا تعني التسليم بأن المواطن يجب أن يتحمل نتائج كل أزمة مالية. المطلوب هو تقييم القرار ضمن حزمة متكاملة، ومقارنة كلفته ببدائله، ونشر مبرراته، وتحديد الفئات المتضررة، وتوفير وسائل عملية للتخفيف من آثاره.

والسؤال الأهم الذي ينبغي أن يواجه صانع القرار هو: لماذا تبقى حياة الاقتصاد العراقي شديدة الحساسية لكل اضطراب في صادرات النفط، رغم ما يمتلكه العراق من موارد طبيعية وبشرية وإمكانات إنتاجية واسعة؟

إن الإجابة تبدأ من إعادة بناء فلسفة إدارة الدولة، بحيث لا تكون الموازنة مجرد جدول للرواتب والنفقات والإيرادات، ولا يكون سعر الدولار أداة منفصلة عن حياة الناس، بل يصبح الاقتصاد وسيلة لبناء مجتمع منتج وأكثر عدالة واستقراراً.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تتخذ القرارات الصعبة فحسب، وإنما الدولة التي تشرح أسبابها، وتدرس بدائلها، وتوزع أعباءها بإنصاف، وتحاسب المسؤول عن الإخفاق، وتحمي الفئات التي لا تملك القدرة على حماية نفسها.

وفي الختام، فإن العراق لا يحتاج إلى تغيير سعر الصرف وحده، بل إلى تغيير طريقة التفكير في إدارة الاقتصاد والدولة. يحتاج إلى عقلية مؤسسية تجمع بين الخبرة الاقتصادية والمشاركة المجتمعية، وبين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية، وبين مواجهة الأزمات اليوم وبناء اقتصاد الغد.

فهل نمتلك الشجاعة للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول؟ وهل تصبح كرامة المواطن وقدرته الشرائية معياراً أساسياً للحكم على نجاح السياسات العامة؟

إن الإجابة عن هذين السؤالين هي التي ستحدد ما إذا كانت القرارات الاقتصادية مجرد إجراءات لاحتواء أزمة عابرة، أم بداية حقيقية لبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وصون مستقبل أجيالها.

رأيي في جوهر الموضوع: لا أرى أن المشكلة يمكن اختزالها في كون العقلية التي تدير العراق جمعية أو نخبوية؛ فالأهم هو مدى مؤسسية القرار، واستناده إلى بيانات واضحة، وخضوعه للمساءلة، ووجود شبكة حماية اجتماعية تسبق الإجراءات التي ترفع كلفة المعيشة. وقد يكون تعديل سعر الصرف مفهوماً في ظروف مالية استثنائية، لكنه لا يصبح سياسة ناجحة اجتماعياً ما لم تُقاس نتائجه على الأسعار والدخول والفقر، وتُتخذ إجراءات تحد من الضرر.

ولذلك أرى أن أقوى رسالة يمكن أن يحملها المقال هي: ليس السؤال كم ديناراً ستحصل عليه الدولة مقابل الدولار، بل كم ستبقى من القوة الشرائية للمواطن بعد القرار؟

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مشاركة الخبر