افتتاحية صحيفة الأجيال ليوم الأحد الموافق 5 /10 /2025
تُعدّ الانتخابات إحدى الركائز الأساسية في الأنظمة الديمقراطية، إذ تمثل الآلية الشرعية التي يعبّر من خلالها الشعب عن إرادته في اختيار ممثليه. وفي السياق العراقي، حيث ما زالت التجربة الديمقراطية حديثة نسبيًا وتعاني من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، فإن العملية الانتخابية تكتسب بُعدًا مضاعفًا بوصفها مسؤولية وطنية لا تقتصر على الجيل الحالي وحده، بل تمتد آثارها لتطال مستقبل الأجيال اللاحقة.
أولاً: الانتخابات بين الحق والمسؤولية
يُنظر إلى الانتخابات غالبًا باعتبارها “حقًا” يكفله الدستور للمواطن، غير أن هذا الحق يتداخل في العراق مع مفهوم أوسع هو “المسؤولية”. فالمشاركة الانتخابية ليست خيارًا شخصيًا محضًا، بل هي أداة لتشكيل السلطة التشريعية ورسم السياسات العامة. وعليه، فإن الامتناع عن المشاركة أو الانخراط فيها على أسس غير رشيدة (كالولاء العاطفي أو المصلحي) يُسهم في إنتاج مؤسسات هشة تُضعف مسار الدولة وتؤخر بناءها المؤسسي.
ثانياً: معايير الاختيار الرشيد
لا يمكن بناء برلمان فاعل ما لم يتجه الناخب العراقي نحو معايير عقلانية في الاختيار، بعيدًا عن الانحيازات الطائفية أو الضغوط الاجتماعية. وتبرز هنا جملة من الشروط الموضوعية التي يجب أن يتوفر عليها المرشح:
- الكفاءة والخبرة: امتلاك القدرة المهنية والمعرفة اللازمة لممارسة الدور التشريعي والرقابي.
- النزاهة والشفافية: الالتزام بمبادئ المساءلة، والبعد عن الفساد الذي مثّل معضلة بنيوية في التجربة العراقية.
- الرؤية الوطنية الشاملة: تجاوز الانقسامات الضيقة، والعمل وفق برنامج يعزز بناء الدولة لا تعزيز مصالح فئوية.
- القدرة على التشريع والرقابة: إدراك أن دور النائب لا يقتصر على الوساطة أو الخدمات الفردية، بل هو مشرّع ورقيب بالدرجة الأولى.
ثالثاً: الوظيفة الجوهرية للنواب
يُعدّ مجلس النواب في النظام السياسي العراقي المحور المركزي في ترسيخ الحياة الدستورية. وتتلخص وظيفته في محورين أساسيين:
• المحور التشريعي: إصدار قوانين متوازنة وعادلة، تعالج المشكلات البنيوية في الاقتصاد والمجتمع، وتضمن العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات بصورة منصفة.
• المحور الرقابي: ممارسة الرقابة الفاعلة على السلطة التنفيذية بما يحول دون استغلال السلطة أو انحرافها، وضمان خضوعها للمساءلة الدستورية.
ويُضاف إلى ذلك دور النواب في حماية السيادة الوطنية، والحيلولة دون خضوع القرار العراقي للتأثيرات الخارجية التي عطّلت مرارًا مسار التنمية وبناء المؤسسات.
رابعاً: نحو عقد اجتماعي جديد
إن الانتخابات، إذا ما مورست بوعي ومسؤولية، يمكن أن تتحول إلى أداة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي في العراق. فاختيار برلمان كفء ونزيه يفتح الطريق أمام بناء دولة قانون، تُدار مؤسساتها وفق معايير الحكم الرشيد، وتستجيب لتطلعات المواطنين في العدالة والكرامة والتنمية. أما إعادة إنتاج أنماط التصويت التقليدية القائمة على الولاء الشخصي أو المناطقي، فلن تؤدي إلا إلى إدامة الأزمات وإضعاف مؤسسات الدولة.
خاتمة
إن صوت الناخب العراقي ليس مجرد ممارسة فردية، بل هو قرار تاريخي ينعكس على مستقبل وطن بأسره. ومن هنا فإن التعامل مع الانتخابات بوصفها مسؤولية وطنية وأمانة للأجيال القادمة هو السبيل الوحيد نحو بناء برلمان حقيقي قادر على سنّ القوانين العادلة، وممارسة الرقابة الفاعلة، وترسيخ دعائم الدولة الديمقراطية. فبقدر ما يكون الاختيار عقلانيًا ومدروسًا، بقدر ما تكون النتيجة بناءً مؤسسيًا راسخًا يضمن الاستقرار والازدهار.