المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي ٢٠٢٦.. شراكة دولية وفرصة استراتيجية للعراق

المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي ٢٠٢٦.. شراكة دولية وفرصة استراتيجية للعراق
د. مصطفى رعد كاظم الربيعي
باحث واستشاري في الذكاء الاصطناعي، وباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة شيامن الصينية
استضافت الصين اليوم الجمعة حدثين مهمين لهما تأثير كبير في مستقبل الذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة والاقتصاد العالمي، إذ تحتضن مدينة شنغهاي، خلال الفترة (17-20) تموز/ يوليو الجاري، (المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC-2026)، إلى جانب (اجتماع الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي). ويجمع المؤتمر قادة الذكاء الاصطناعي والشركات والمبتكرين من مختلف أنحاء العالم؛ بمشاركة أكثر من ١١٠٠ جهة عارضة و١٤٠٠ ضيف ومتحدث، وعرض أكثر من ٣٠٠٠ تقنية ومنتج، منها ٣٠٠ ابتكار يُكشف عنه عالميا لأول مرة، ويقام على مساحة تتجاوز ١٠٠ ألف متر مربع.
ويتميز هذا المؤتمر بالحضور السياسي رفيع المستوى الذي يرافقه. فلأول مرة يعتلي رئيس جمهورية الصين الشعبية، شي جين بينغ، منصة الافتتاح لإلقاء كلمته الرئيسة. ويعكس هذا الحضور حجم التحول الذي شهده مجال الذكاء الاصطناعي، والمكانة المتقدمة التي بات يحتلها ضمن أولويات الدول الكبرى واستراتيجياتها المستقبلية.
وقد أكد الرئيس شي جين بينغ ضرورة تعزيز الانفتاح والتعاون الدولي، وتشجيع الابتكار والمصادر المفتوحة، وضمان بقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية، مع احترام التنوع الثقافي، ووضع أسس مشتركة لحوكمته وتنظيم تطويره واستخداماته، بما يسهم في انتقال المعرفة والتقنيات والابتكار بين الدول. كما رسمت كلمته ملامح مرحلة جديدة من التعاون الدولي، تهدف إلى تقليل الفجوة التقنية من خلال تبادل الخبرات وتعزيز الشراكات، وتوجيه تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم التنمية في مجالات الصحة والتعليم والاقتصاد، ومواجهة الفقر والبطالة، وفتح آفاق بناء مستقبل يكون فيه الذكاء الاصطناعي أداة فاعلة لتحقيق التنمية المستدامة والمنفعة العامة. كذلك شدد على أهمية تعزيز دور الأمم المتحدة في تنسيق استراتيجيات التطوير، ووضع قواعد الحوكمة والمعايير الفنية، ومساعدة الدول النامية على بناء قدراتها وتقليص الفجوة الرقمية، وضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر عدالة وشمولية، بما يتيح لجميع دول العالم المشاركة في تبني رؤية موحدة تقوم على التعاون والمسؤولية.
وبذلك أصبحت الصين من أبرز المراكز العالمية في قيادة التحول الاستراتيجي في تطوير الذكاء الاصطناعي. فكان المؤتمر يحمل رمزية علمية وحضارية، تذكرنا برحلات التجارة الصينية وطريق الحرير، التي لم تكن مجرد وسيلة لتبادل البضائع والسلع، واليوم تحولت مبادرات الرئيس الصيني الى جسور تضمن نقل الثقافات والمعارف والأفكار بين الحضارات، والشعوب والدول بعضها ببعض بصورة غير مسبوقة.
وقد أثبتت تجربة الصين خلال العقد الماضي أن توظيف هذه التقنيات يمكن أن يحدث تحولًا كبيرًا في إدارة المدن وتطوير الخدمات العامة. ويتجلى ذلك في مدن مثل بكين وشنغهاي وهانغتشو وتشنغدو، حيث أسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع الاستجابة للحوادث، وتقليل الازدحام، ورفع كفاءة الخدمات، وتحويل العديد من المعاملات الحكومية إلى خدمات رقمية غير ورقية. كما أن ظهور تقنيات مثل ديب سيك وكيمي وغيرها ساهم في تطوير الذكاء الاصطناعي وتحسين كفاءته بشكل مضاعف.
واليوم، في هذا المؤتمر، نشهد ثورة علمية في ابتكارات كانت تُعد قبل سنوات ضربا من الخيال، منها منصات تتيح تدريب الروبوتات والتحكم بها من خلال إشارات الدماغ، مثل منصة «برين كو». كما نشهد منافسة متسارعة بين شركتي هواوي وسوغون، بعد أن كشفت هواوي عن منظومة «أطلس ٩٥٠»، وقدمت سوغون منظومة «سوغون ٨٠٠٠» وتمثل المنظومتان حواسيب فائقة القدرة، قادرة على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات بسرعة، ما يعكس سباقا عالميا على تطوير البنية التحتية والحواسيب العملاقة.
فهذه الابتكارات لم تظهر إلى العلن نتيجة جهود منفصلة أو إنجازات فردية، بل كانت ثمرة رؤية وطنية شاملة، وتخطيط دقيق، وعمل منظومة متكاملة جمعت بين البحث العلمي، والاستثمار التقني، وتطوير البنية التحتية الرقمية، إلى جانب الدعم الحكومي اللامحدود وتشجيع المبدعين والمبتكرين. وقد أسهم تكامل هذه العوامل في تحويل الابتكارات من أفكار وتجارب علمية إلى أدوات وتقنيات وخدمات عملية تُستخدم على نطاق واسع وتسهم في بناء المستقبل.
أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي جزءًا مهمًا من العمل اليومي، وتحولت مخرجاتها إلى خدمات ملموسة يلمس المواطن أثرها بصورة مباشرة في مختلف جوانب حياته. ويقف العراق اليوم عند بداية مرحلة حاسمة من التحول الرقمي، تتيح له الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة، وفي مقدمتها التجربة الصينية، بما يمكّنه من تجاوز مسار طويل من التجربة والخطأ. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى بناء رؤية وطنية واضحة، وإعادة النظر في السياسات والخطط الاستراتيجية لمؤسسات الدولة العراقية، بما يضمن إدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وأدواته وأنظمته في الخطط التنموية والإدارة الحكومية والخدمات العامة. ويتطلب تحقيق ذلك إحداث تكامل فاعل بين حاجات المجتمع، ومؤسسات الدولة، وخطط تبني الذكاء الاصطناعي وتطويره وتكييفه، من خلال بناء القدرات الوطنية والمؤسسية، والتزام القيادات الإدارية العليا بالتغيير والإيمان بأهميته، وتعزيز الحوكمة، وتطبيق أنظمة الجودة، وإعادة هندسة العمليات، وأتمتة الإجراءات، وتحليل البيانات، بما يسهم في تسريع اتخاذ القرارات، وتقليل الوقت والجهد المبذولين من الموظف والمواطن، وتعزيز قدرة العنصر البشري على الإبداع والابتكار.
وفي ظل توجيهات الرئيس الصيني لمساعدة الدول النامية على بناء قدراتها وتقليص الفجوة الرقمية، يمتلك العراق اليوم فرصة ذهبية للاستفادة من هذه الخبرات وبناء شراكات فاعلة تسهم في تطوير قدراته الوطنية. فهذه الفرصة لا تمثل مسارًا تقنيًا فحسب، بل يمكن أن تشكل طفرة استراتيجية لتسريع التحول الرقمي، وانطلاقًا من هذه الرؤية، وحرصًا على مواكبة الثورة التكنلوجية المتسارعة، يبدي الدكتور مصطفى رعد كاظم الربيعي استعداده للإسهام في بناء جسور التعاون بين المؤسسات العراقية والجهات والشركات الصينية، سعيًا إلى نقل الخبرات والتجارب الصينية، من خلال مركزه وشركته المتخصصين في ابتكار حلول الذكاء الاصطناعي وتصميم التطبيقات والأدوات والأنظمة الذكية.
وينطلق هذا التوجه من رؤية الدكتور مصطفى رعد كاظم الربيعي الواعدة، التي يؤكد من خلالها أن:
“الذكاء الاصطناعي لم يعد خيارًا تقنيًا إضافيًا، بل أصبح أداة أساسية لتحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءتها وفاعليتها؛ الأمر الذي يستدعي فتح آفاق التعاون والاستفادة من التجربة الصينية في توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل مؤسسات الدولة العراقية، بما يسهم في دفع عجلة التنمية الشاملة”.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مشاركة الخبر