تتخلف الأمم حين تضع النبهاء في الصفوف الخلفية بقلم الدكتور ابراهيم حسن السلطاني

تتخلف الامم حين تضع النبهاء في الصفوف الخلفية .
بقلم الدكتور إبراهيم حسن السلطاني .
كان أهلنا القدامى، حين يريدون مدح إنسان برجاحة عقله وسرعة بديهته ودقة ملاحظته، يصفونه بأنه (نَبِه ) وهي كلمة تختصر في معناها الكثير من صفات الذكاء والفطنة واليقظة وحسن الإدراك فالنبه ليس مجرد إنسان ذكي ، بل هو ذلك الذي يرى ما لا يراه الآخرون ، ويلتقط الإشارات قبل أن تتحول إلى مشكلات ، وينتبه إلى التفاصيل التي تمر أمام غيره دون أن تثير فيهم سؤالاً أو تستدعي منهم تفكيراً ، وغالباً ما يتميز هؤلاء النبهاء بتفوقهم على أقرانهم ، لا لأنهم أكثر علماً بالضرورة ، وإنما لأنهم أكثر حضوراً ووعياً بما يجري حولهم ، فهم لا يكتفون بمشاهدة الأحداث بل يحاولون فهم أسبابها واستشراف نتائجها ، وينبهون الآخرين إلى الأخطاء قبل استفحالها وإلى المخاطر قبل وقوعها ، وإلى الفرص قبل ضياعها.
ومن الطبيعي أن يكون لمثل هؤلاء موقع متقدم في أي مجتمع يسعى إلى النهوض ، لكن المفارقة المؤلمة أن التفوق في الوعي لا يمنح صاحبه دائماً مكانة تليق به ، ولا يضمن له أن يكون في الصدارة ، وهنا تبدأ المأساة الحقيقية ، فماذا يحدث عندما يعيش الإنسان النابه في بيئة لا تعترف بقيمة التنبيه ، ولا تحتمل من يكشف أخطاءها ، ولا ترغب في سماع ما يعكر صفو غفلتها .
إن المشكلة لا تكمن دائماً في أن الناس عاجزون عن فهم ما يقولونه النبهاء أو أن تنبيهاتهم تفتقر إلى الصواب ، بل ربما يكونون على يقين من صحة ما يطرحونه ، ويدركون أنهم يحملون مفاتيح لحل كثير من مشكلاتهم ، ومع ذلك يختارون تجاهله، بل وقد يحولونه إلى مادة للتندر والسخرية ، وكأن كشف الخطأ أصبح خطأً ، والتنبيه إلى الخطر أصبح خروجاً على الجماعة.
وهنا ينبغي أن نفرّق بين الغفلة والتجاهل ، فالغفلة قصور في الانتباه قد يُعذر صاحبه حتى يستيقظ ، أما التجاهل فهو موقف يتخذه الإنسان حين يعرف الحقيقة ثم يقرر أن يدير ظهره لها وإذا كانت الغفلة مرضاً في الوعي ، فإن التجاهل مرض في الإرادة ، وحين يتزاوج الاثنان لا يولدان إلا التخلف ، لأن المجتمع عندئذ لا يكتفي بعدم رؤية أخطائه ، بل يقاوم كل من يحاول أن يجعله يراها.
ولعل أخطر ما يصيب المجتمعات ليس ندرة العقول النابهة فيها ، وإنما تعطيل دورها ، وإقصاؤها عن مواقع التأثير، وتقديم أهل المجاملة والطاعة العمياء على أصحاب الرأي والبصيرة ، فحين تصبح المسايرة معياراً للقبول ، ويغدو الصمت شرطاً للنجاح ، يتحول الوعي إلى عبء على صاحبه ، ويصبح النابه غريباً بين قومه ، لا لقصور فيه ، وإنما لأنه يعيش في المكان غير الصحيح ، أو بالأحرى في بيئة اختلت فيها موازين التقدير.
والمؤسف أن بعض هؤلاء النابهين، بعد طول مواجهة مع السخرية والتهميش ، يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ ، الأول إما أن يستمروا في التنبيه ويتحملوا العزلة والإقصاء ، والثاني ، أن يسايروا السائد ويصمتوا عما يعرفون ، فيتحول صمتهم إلى خسارة مضاعفة ، خسارة لهم حين يُجبرون على دفن وعيهم ، وخسارة للمجتمع حين يحرم نفسه من العقول القادرة على إنقاذه من أخطائه.
إن الأمم لا تتخلف لأنها تفتقر إلى الأذكياء وحدهم ، بل لأنها كثيراً ما تضعهم في الصفوف الخلفية ، وتمنح الصدارة لمن يجيدون تبرير الأخطاء بدلاً من تصحيحها ، فالتخلف لا يبدأ حين يغيب النابهون، بل حين يحضرون ولا يُسمع لهم، وحين تتحول الغفلة إلى ثقافة، والتجاهل إلى منهج، والسخرية من الوعي إلى وسيلة لحماية الجهل ، وعندها لا يعود السؤال: أين اختفى النابهون؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلاماً: كم من نابه بيننا اضطر إلى إطفاء نور عقله ، حتى يستطيع العيش بسلام وسط أمة اعتادت الظلام .

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مشاركة الخبر