افتتاحية صحيفة الأجيال ليوم السبت الموافق 20 /9 /2025
بقلم رئيس التحرير جاسم السلطاني.
كيف تنهض الأمم من تجارب الشعوب الحية
ليس ضعف الأمم موروثا في فطرتها ولاهي مفطوره عليه وانما الضعف مثل القوة امر يقع بالاكتساب والاختيار واذا كنا قادرين على اكتساب القوة فإن من العجز ان نصر على اكتساب الضعف حين تكون القوة خيارا ممكنا ،عندما اندحرت ألمانية أمام نابليون في القرن التاسع عشر وعم الألمان احساس بالقنوط كان مصدر الضوء للخروج من ظلمات الهزيمة الخطابات التي وجهها الفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيختة إلى الأمة الألمانية منبها ان الهزيمة العسكرية لم تكن عسكرية بقدر ماكانت تربوية اصلا وان الخروج منها لايكون الا استبدال نظام التعليم الألماني بتربية جديدة تقوم على رفض التدريب الميكانيكي للذاكرة من اجل اكتساب المعارف القائم على الحفظ عن ظهر قلب، لقد سمع الألمان لمقولات فيلسوفهم الكبير فاعادو رسم هندسة بنائهم التربوي على الانضباطية العقلية والاخلاقية الصارمة واندفعوا مهطعين لا يلوون عنقا إلى الماضي لان موعدهم المستقبل حتى انشاواانفسهم خلقا آخر وعادوا امة قوية واثقة من قدرتها ،وفي عام 1944 عندما تحررت فرنسا من الغزوا الألماني وشرع الفرنسيون في بناء وطنهم من جديد كانت التربية من اوائل ما امتدت يد الإصلاح وتوجهت الأمة الفرنسية على إصلاح جميع مؤوسساتها ،والأمثلة كثيرة منها التجربة اليابانية.
كيف يجعل التعليم الأخلاقي في اليابان المجتمع أقوى
يؤمن اليابانيون بأن المعرفة تُبني عقولاً، لكن الأخلاق هي التي تبني مجتمعًا كاملًا. الرؤية هذه ليست مجرد نظرية؛ التعليم الياباني يعكسها عمليًا من خلال مادة تُعرف بـ 道徳 (دُوتوكو ‒ الأخلاق أو التربية الأخلاقية) أو تُدرج ضمن الأنشطة المدرسية الخاصة “特別活動 (tokubetsu katsudō)” والمواد المرتبطة بـ “السلوك اليومي” والتوجيه الخلقي.
كيف يُدرَّسون الأطفال القيم الأخلاقية في اليابان
- المنهج الدراسي الرسمي
في الصفين الأول والثاني من المرحلة الابتدائية، تُدَرَّس مادة الأخلاق (دوتوكو) رسميًا ضمن المواد المنهجية.
بالإضافة إلى دوتوكو، هناك مادة “special activities” أو الأنشطة الخاصة، وهي فترة مخصصة للأنشطة التي تُنمّي الروح الجماعية والعمل ضمن فريق، وتنمية الانضباط، والتعاون، والمشاركة المجتمعية.
- القيم التي يركّزون عليها
من الأبحاث والمنهج نجد أنهم يُعلّمون الأطفال:
احترام الكبار والتعاطف مع الصغار.
التضامن والعمل الجماعي بدلاً من الأنانية.
الانضباط والقوانين ليس خوفًا من العقاب، بل ايمانًا بأن النظام يساعد راحة الجميع.
الصدق حتى في أبسط التفاصيل، كقاعدة أساسية للثقة ولبناء النجاح.
- أساليب التعليم
عبر التوجيه اليومي والسلوك اليومي: يُقيّم سلوك الطلاب، ليس فقط تحصيلهم الأكاديمي.
الأنشطة المدرسية الخاصة (tokubetsu katsudō) مثل النوادي، وتنظيف الصف، ومساعدة الزملاء، أو تنظيم بعض الفعاليات. تُعطي هذه فرصًا للتطبيق العملي للقيم.
المناهج الرسمية (Guidelines for the Course of Study) تحدد “عادات مرغوب فيها” (desirable moral habits) وفهمًا وفِكريًّا وقرارًا أخلاقيًّا، إلى جانب الاستعداد لممارسة القيم.
إيجابيات التعليم الأخلاقي في اليابان يمكن ملاحظتها من عدة مؤشر:
الاصرار العام على الحضور والانتظام: اليابان لديها نسبة حضور مرتفعة في المدارس الابتدائية والمتوسطة، خاصة في التعليم الأساسي الإلزامي. (لا يوجد رقم دقيق هنا يدل كليًا إلى الأثر الأخلاقي، لكن الرغبة في الالتزام والنظام تظهر في السلوك المدرسي.)
العمل الجماعي والمسؤوليات في المدرسة: في المدارس، يُطلب من التلاميذ المشاركة في تنظيف الصف، تنظيم الفصول، أو خدمة الزملاء، ما يغرس لديهم الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين والمجتمع.
تقارير ساعات العمل لدى المعلمين: رغم أن هذا ليس مباشرًا إلى الطلاب، إلا أن الفترات الطويلة التي يقضيها المعلمون في إشراف الأنشطة الخاصة، النوادي، وتنمية شخصية الطلاب، هي دليل على أن المنظومة التعليمية تأخُذ الجانب الأخلاقي والتنموي بجدية. مثلاً، إحدى الدراسات تبين أن معلمي المدارس المتوسطة يعملون حوالي 56 ساعة أسبوعيًا، أما معلمي الابتدائية فحوالي 54.4 ساعة أسبوعيًا.
تحسين ساعات العمل الإضافية مؤخرًا: في مسح لعام 2022، تم التحقق أن نسبة المعلمين الذين يعملون أكثر من 45 ساعة إضافية في الشهر (الحد القانوني) ما تزال مرتفعة، لكن هناك تحسّن مقارنة مع السنوات السابقة.
التحديات والملاحظات
لا يعني أن كل شيء مثالي، فهناك:
الضغط على المعلمين: كما ذكرت، ساعات العمل الطويلة تُعدّ تحديًا، وقد تؤثر على جودة التعليم الأخلاقي والمعيشي إذا كان المعلمون مرهقين.
الاختلاف في التطبيق بين المدارس والمناطق: ليست كل المدارس تمتلك نفس الموارد أو نفس التزام المعلمين والقيادات بتطبيق التعليم الأخلاقي بنفس الدرجة.
التوازن بين الانضباط وتشجيع التفكير النقدي: في بعض الأحيان يُنتقد أن الانضباط الجماعي أيضاً يمكن أن يقود إلى تجاهل الفردية أو الصمت الاجتماعي، أو الخوف من التمرد.
تغيّرات المجتمع والتكنولوجيا التي تضع قيمًا جديدة أمام الطلاب، قد تحتاج لمناهج أكثر حداثة في التربية الأخلاقية لتُعالج فقدان الاتصال بين الأجيال أو السلوكيات الجديدة مثل التنمّر الإلكتروني.
الخلاصة
إن التعليم الأخلاقي في اليابان ليس مجرد مادة تُدرَّس، بل هو إطار شامل يُدمج السلوك اليومي، القيم، والتربية داخل الأنشطة المدرسية والأسرة كذلك. هو ما يجعل المجتمع لا يكتفي بمعرفة الأشياء، بل بأن يكون الإنسان حقًا إنسانًا بمعنى: احترم، تعاون، كن صادقًا، اضطلع بمسؤولياتك تجاه الآخرين، وتقدّر النظام الذي يُريح المجتمع.
لو طبقنا مثل هذا النظام في مدارسنا مع التعديلات الملائمة لثقافتنا وظروفنا، يمكن أن نرى فرقًا كبيرًا ليس فقط في مستوى التعليم الأكاديمي، وإنما في الترابط الاجتماعي، الأمان، والصالح العام — لأن المجتمع القوي مبني على نفوس قوية ذات أخلاق ثابتة.